النظرية الوجودية
إذا سمحنا لأنفسنا بأن نضع هموم الحياة اليومية جانبًا، وأن نتأثّر تأثّرًا عميقًا بموقعنا في العالم، فإننا نصل حتمًا إلى البنية العميقة للوجود.
تبرز في العلاج النفسي الوجودي أربعة هموم قصوى أكثر من سواها: الحياة والموت؛ والحرية والمسؤولية والاختيار؛ والعزلة والحب؛ والمعنى واللامعنى.
الحياة والموت
ثمة يقين واحد في الحياة، وهو أنها منتهية. ومع أننا لا نعرف كيف ومتى نموت، فإننا نعرف أننا سنموت حتمًا. والوعي بالموت، مع أنه مخيف، يمكن أن يمهّد لحياة مبدعة. ويُظهر يالوم في أعماله مع مرضى السرطان كيف تصالحوا مع موتهم الوشيك. ولا يقصر يالوم نقاشه على البالغين، بل يشير إلى دراسات كثيرة تُبيّن طريقة تعامل الأطفال مع مسألة الموت من خلال الإنكار؛ فبعض الأطفال يعتقدون أنّ الأطفال لا يموتون، وبعضهم يُضفي على الموت شخصية («الموت يأخذ الأطفال الأشرار»)، وبعضهم يرى الموت حالة مؤقتة أو نوعًا من النوم. أمّا فرانكل فلم يكن يرى في الموت تهديدًا، بل كان يرى أنه يدفع الإنسان إلى أن يعيش حياته بأقصى ما يستطيع، وأن يغتنم كل فرصة للقيام بأعمال ذات معنى. فالانتباه إلى الموت إذن يمكن أن يمهّد للإبداع وللحياة الكاملة.
الحرية والمسؤولية والاختيار
حقّ الحياة يحمل معه المسؤولية أيضًا. ففي نظر الوجوديين، لا يدخل الإنسان عالمًا مبنيًّا ذا تصميم متّسق ولا يغادره، بل إنّ الناس، في سعيهم إلى الحرية، مسؤولون عن عالمهم وعن مخطّطات حياتهم واختياراتهم. نحن أحرار في اختيار الطرق التي تناسب مسؤوليتنا تجاه حياتنا، وفي تبنّي القيم التي تهمّنا. ويرى سارتر أنّ البشر محكومون بالحرية؛ فهم مسؤولون عن خلق عالمهم الذي يُبنى على العدم. ويقول سارتر إنّ اختياراتنا هي التي تصنع ذواتنا الحقيقية.
المسؤولية تعني أن ننسب اختياراتنا إلى أنفسنا، وأن نتعامل مع الحرية بصدق. ويستخدم سارتر، في إشارته إلى محدودية الإنسان وتناهيه، مصطلح «سوء النية». فالشخص الذي يقول: «لأنني أسيء معاملتي في طفولتي، لا أستطيع أن أحسن معاملة أبنائي»، أو الذي يقول: «لأنني لم أدرس في مدرسة ثانوية جيدة، لا أستطيع دخول جامعة جيدة»، يتصرّف بسوء نية، لأنه يلوم غيره ولا يأخذ في حسابه ضعفه الذاتي. وتشمل المسؤولية كذلك مراعاة الآخرين وعدم لومهم على المشكلات الشخصية.
ويستخدم ماي في حديثه عن الحرية مفهوم «الإرادة»، أي تحويل المسؤولية إلى فعل. وللإرادة جانبان: الرغبة واتخاذ القرار. ويرى ماي أنّ المرض النفسي هو «عدم الرغبة»، أي الخواء واليأس. وجزء من مهمة المعالجين الوجوديين أن يحشدوا مشاعر المراجعين نحو الرغبة وتنفيذ القرارات. وبعد الرغبة أو الميل، على الإنسان أن يختار، وهذا أمر مخيف إلى حدّ ما، يجعل الناس يتوقّعون من غيرهم أن يختار بدلًا منهم. وبعد كل اختيار، يُضطرّ الإنسان إلى تحمّل الوجه الآخر لاختياره أيضًا. وتقبُّل مسؤولية الاختيار، بحسب ظروف الإنسان وقدرته على التصرّف بحسن نية، قد يولّد قلقًا شديدًا.
العزلة والحب
يطرح يالوم في موضوع العزلة ثلاثة أنواع منها: العزلة بين الأشخاص، والعزلة داخل الشخص، والعزلة الوجودية. ويقصد بالعزلة بين الأشخاص أن تنشأ بيننا وبين الآخرين مسافة جغرافية أو نفسية أو اجتماعية؛ فالمصاب بالفصام مثلًا منعزل عن الآخرين لعجزه عن إقامة علاقة معهم. وحين يفصل الإنسان أجزاءً من ذاته عن أجزاء أخرى، بآليات دفاعية أو بطرق أخرى من تجاهل رغباته، يكون في عزلة داخلية؛ فهو لا يركّز على ما ينبغي أن يفعله، ولا يثق بحكمه، وغافل عن قدراته وطاقاته الداخلية.
والعزلة الوجودية أعمق من النوعين الآخرين، وتعني البعد عن العالم والانفصال عنه. وفي مثل هذه العزلة نكون أسرى وحدة وعزلة عميقتين. وتشتدّ العزلة الوجودية في مواجهة الموت؛ فحادث سيارة مثلًا يخلّف عزلة وجودية وخوفًا شديدًا. والشعور بالوحدة والعجز التامّين يجرّ وراءه رعبًا شديدًا من العدم.
المعنى واللامعنى
يسأل الناس أنفسهم مرارًا على مدى حياتهم أسئلة عن معنى الحياة، مثل: لماذا أنا هنا؟ ماذا لو وجدت معنى الحياة؟ ما الذي في حياتي يجعلها هادفة؟ لماذا وُجدت؟ وكما يقول ماي ويالوم، يحتاج البشر إلى أن تكون حياتهم ذات معنى. فالمعنى يتيح للناس تفسير الأحداث، وتكوين قيم لأنفسهم حول طريقة العيش وما يريدونه من الحياة.
أكّد فرانكل الدور المهم للبحث عن المعنى في الحياة، وكان يخشى أن يُهمل الناس المعاني الروحية في حياتهم ويبقوا في حدود القيم المادية. وقد يبدو الأمر متناقضًا، لكنّ يالوم وجد أنّ المصابين بأمراض مميتة يكتشفون معنى حياتهم، وهو معنى لم يكونوا يلتفتون إليه قبل مرضهم.
يعتزم مركز معين للإرشاد تنظيم دورات متخصصة لإعداد المعالجين الوجوديين لطلاب ومختصي الإرشاد وعلم النفس والطب النفسي، بتدريس الدكتور بهمن بهمني. وللاطلاع على مواعيد الدورات وشروطها انضمّوا إلى شبكة تواصلنا.
اترك تعليقاً