يُستخدم تعبير «ذوو الاحتياجات الخاصة» للإشارة إلى مجموعة واسعة من الحالات الإنسانية التي يعاني فيها الأفراد، لأسباب مختلفة، مشكلات تولّد لديهم احتياجات خاصة. والأطفال الاستثنائيون إحدى هذه الفئات. ومن المؤسف أنه كثيرًا ما لا تتوافر معرفة صحيحة بالأطفال الاستثنائيين، بل يُنظر إليهم أحيانًا نظرة ازدراء. ويتناول هذا المقال الأطفال الاستثنائيين، أو بتعبير أدقّ، الأطفال ذوي التأخّر في النموّ العقلي.
يظنّ بعض الناس أنّ تشخيص التأخّر في النموّ العقلي لا يصحّ إلا حين يكون ذكاء الفرد أدنى من المستوى الطبيعي، ويعتقدون أنّ معظم هؤلاء الأطفال عاجزون عن التعلّم ولا يستطيعون رعاية أنفسهم. والحقيقة أنّ تشخيص التأخّر في النموّ العقلي لدى فرد ما مشروط باجتماع سمتين: الأولى أن تكون نسبة ذكائه أدنى من المتوسط، والثانية أن تظهر لديه صعوبات في التكيّف مع أمور حياته اليومية، بحيث لا يستطيع تعلّم المهام الأولية والضرورية لحياة مستقلة نسبيًا. ومع ذلك، فإنّ معظم الأطفال ذوي نسبة الذكاء الأدنى قادرون على تعلّم أشياء كثيرة، ويمكنهم أن يبنوا لأنفسهم، كالبالغين، حياة مستقلة نسبيًا، والأهمّ أنهم يستطيعون، كأيّ شخص آخر، أن يستمتعوا بالحياة.
يستطيعون هم أيضًا، كأيّ شخص آخر، أن يستمتعوا بالحياة.
في الماضي كان يُنصح الآباء الذين لديهم طفل استثنائي بإيداعه في مؤسسات مخصّصة لرعاية الأطفال الاستثنائيين، لكنّ هذا الأسلوب صار اليوم متجاوَزًا. ويُنصح الآن ببقاء هؤلاء الأطفال في أسرهم ليتمكّنوا من المشاركة في الحياة الاجتماعية أيضًا. كما يضمن القانون أن تتكفّل الدولة من الموارد العامة بتكاليف تعليم هؤلاء الأطفال وتربيتهم والخدمات التي يحتاجون إليها.
قد يعاني الطفل في الوقت نفسه مشكلات جسدية وانفعالية أخرى؛ فقد يكون لدى هؤلاء الأطفال أحيانًا اضطرابات في البصر أو السمع أو النطق تحول دون استفادتهم على النحو الأمثل حتى من القدر الذي يملكونه من القدرة الذهنية.
التقييم الشامل والكامل لعجز هؤلاء الأطفال أو قدراتهم الجسدية والنفسية من أكثر الإجراءات ضرورة، وينبغي القيام به دائمًا. ولأنه لا يوجد مختص يستطيع وحده تقييم جميع أبعاد وجود الإنسان وعلاجها، فإنّ الاستعانة بمختصين متعددين والإفادة من تعاونهم أمر ضروري. كما أنّ استخدام الفحوص الطبية والعصبية المختلفة، واختبارات السمع والبصر والاختبارات الجسدية، مفيد جدًا وضروري في مساعدة هؤلاء الأطفال.
انخفاض نسبة الذكاء لا يعني ضياع كل شيء؛ فهؤلاء الأفراد يملكون عادةً جوانب إيجابية ينبغي للمختصين أن يتعرّفوا عليها ويحسنوا الإفادة منها.
من المؤسف أنّ من التبعات الشائعة للتأخّر في النموّ العقلي، ولا سيما أنواعه الأخفّ التي يكون فيها الطفل من الذكاء بحيث يقارن نفسه بمن حوله وبأقرانه ويفهم تلميحاتهم وغمزهم، الاضطراباتِ العاطفية والانفعالية. فهؤلاء الأطفال كثيرًا ما يحاولون اللحاق بأقرانهم، لكنهم بسبب بطء تعلّمهم أو عجزهم عن تعلّم كل ما يتعلّمه الآخرون، يشعرون بالفشل، ويصبحون قلقين ومنعزلين ومحبطين من إقامة العلاقات الاجتماعية. ولأنهم أقلّ قدرة على التعبير لغويًا عن مشاعر الحزن والقلق، سرعان ما تتحوّل حالات الاكتئاب لديهم إلى ردود فعل سلوكية أخرى، فتظهر لديهم مشكلات سلوكية جديدة، في الأكل والنوم مثلًا. ومن الطبيعي أنه كلما شُخّص التأخّر في النموّ العقلي مبكرًا، ازدادت إمكانية مساعدة المصابين به.
طرق العلاج:
خلافًا للاعتقاد الشائع، ليس العلاج الدوائي أنجع طرق علاج آثار الإعاقة الذهنية، بل ينبغي دائمًا الإفادة من أساليب التأهيل والعلاج السلوكي والدعم التعليمي والإرشاد الأسري أيضًا.
وعليه، يمكن القول عمومًا:
١- للتأخّر في النموّ العقلي درجات تتراوح بين الخفيف والشديد جدًا.
٢- التأخّر في النموّ العقلي لا يعني ضياع كل شيء؛ فهؤلاء الأفراد يملكون عادةً جوانب إيجابية ينبغي للمختصين أن يتعرّفوا عليها ويحسنوا الإفادة منها.
٣- من العوامل المسبّبة للتأخّر في النموّ العقلي: الأسباب الوراثية، والمرض، والإصابة، والأسباب الثقافية، وفقر بيئة التعلّم.
٤- معظم المصابين بالتأخّر في النموّ العقلي قادرون على تعلّم المهارات اللازمة لحياة مستقلة نسبيًا.
٥- بعض المصابين بالتأخّر في النموّ العقلي قادرون على إتمام تعليمهم المدرسي تحت إشراف مختص.
٦- تشخيص المشكلات المصاحبة للتأخّر في النموّ العقلي، مثل اضطرابات البصر والسمع والنطق، والعمل على علاجها أو تأهيلها، ضروري تمامًا للحفاظ على صحتهم النفسية، وينبغي اتخاذ ما يلزم في هذا الشأن.
٧- يعاني معظم الأطفال ذوي نسبة الذكاء القريبة من الطبيعي (التأخّر الخفيف في النموّ العقلي) مشكلات عاطفية وانفعالية تحتاج إلى علاج.
٨- يتطلّب تشخيص التأخّر في النموّ العقلي وآثاره وعلاجهما تخصصات متعددة: علم النفس، والتربية والتعليم، والتأهيل، والطب.
٩- ينبغي أن تكون الأمّ الركيزة الأساسية في مساعدة هؤلاء الأطفال؛ لذا فإنّ دعم الأمّ، وتدريبها تدريبًا كافيًا، وتوفير نظام إرشادي متاح لها حين تحتاج إلى معلومات جديدة أو إلى مراجعة السلوكيات، وتشجيعها على مواصلة جهودها، أمر لازم في جميع حالات الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.
الدكتور بهمن بهمني، دكتوراه في الإرشاد، أستاذ مشارك وعضو الهيئة العلمية في جامعة علوم الرعاية الاجتماعية والتأهيل. مقتبس من الشهرية «التربية الخاصة»، العدد ١
مواضيع ذات صلة:
التعريف بالإرشاد التأهيلي
التعريف بإرشاد الأطفال والمراهقين
اترك تعليقاً