أثر إشباع الحاجات الأساسية في التوافق الزوجي
صار أثر إشباع الحاجات الأساسية في التوافق الزوجي اليوم أمرًا بديهيًا، لكنّ طرق التعرّف على الحاجات وكيفية إشباعها تتطلّب معرفة الذات والشريك. ويتناول هذا المقال هذه المسألة بإيجاز.
مقدّمة
نوقشت الحاجات الأساسية والجوهرية للإنسان في نظريات مختلفة في شتّى الحقول العلمية، ولا سيما علم النفس، حتى إنّ كثيرًا من نظريات الشخصية خصّصت لهذا الموضوع مبحثًا خاصًا (شولتز وشولتز، الترجمة الفارسية لسيد محمدي). ومن أحدث المقاربات التي تناولت هذا الموضوع بجدية مقاربة العلاج بالواقع أو نظرية الاختيار، التي طرحها ويليام غلاسر، ولقيت إقبالًا كبيرًا في مجالَي البحث والتطبيق الإكلينيكي، خصوصًا في العقدين الأخيرين (كوري، الترجمة الفارسية لسيد محمدي).
يرى غلاسر أنه كما أنّ حاجات البقاء مبرمجة وراثيًا لدى جميع الكائنات الحية، فإنّ لدى الإنسان، وهو أكمل الكائنات، أربع حاجات أعلى وأكثر تعقيدًا مبرمجة وراثيًا أيضًا (غلاسر، الترجمة الفارسية لرحمانيان). وهذه الحاجات الأربع، المعروفة عادةً بأسماء الحب والانتماء، والقوة (الإنجاز/الكفاءة)، والحرية (الاستقلال)، والمتعة (الترفيه)، تُعدّ الحاجات النفسية الأساسية، في حين تُعدّ الحاجة إلى البقاء الحاجة الفسيولوجية الأساسية الوحيدة لدى الإنسان. وهذه الحاجات الخمس مشتركة بين البشر جميعًا، بصرف النظر عن فروق العمر والقومية والعرق والجنس، غير أنّ درجة أهمية كلّ منها وأولويتها تختلف من شخص إلى آخر. بعبارة أخرى، لدى الناس جميعًا هذه الحاجات الخمس، لكنّ واحدة منها أو أكثر تبرز لدى كلّ فرد بوصفها أهمّ من سواها. ووفقًا لنظرية الاختيار، من المهم جدًا أن يعي الأفراد نمطهم الفريد من الحاجات الأساسية، لأنّ هذا الوعي قد يؤدّي دورًا مهمًا في اتخاذ اختيارات سليمة وبنّاءة في حياتهم الفردية والاجتماعية (غلاسر).
لتحقّق الحاجات الخمس أو عدم تحقّقها أثر مباشر وملموس في مشاعرنا وحالاتنا الجسدية؛ فحين تُشبَع هذه الحاجات على نحو مناسب نعيش مشاعر وحالات جسدية مرغوبة وممتعة، أمّا إذا أخفق إشباعها لأيّ سبب، فسنعيش مشاعر وحالات جسدية غير مريحة. والواقع أنّ مشاعرنا وحالاتنا الجسدية مؤشّر إلى ما إذا كانت حاجاتنا الأساسية تتحقّق جيدًا في الوقت الحاضر أم لا. فمثلًا، إن شعرنا بانزعاج في أجسامنا، فربما تكون حاجتنا إلى البقاء مهدَّدة بعدوى داخلية، وإن شعرنا بالمتعة والسعادة، فربما تكون حاجتنا إلى الحب والانتماء قد أُشبعت على نحو مرغوب. وعمومًا يمكن أن يصدق هذا على كلّ حاجة من الحاجات (غلاسر، الترجمة الفارسية لرحمانيان). وفيما يلي شرح لكلّ حاجة من الحاجات الأساسية الخمس (غلاسر، الترجمة الفارسية لرحمانيان؛ وووبولدينغ وزملاؤه).
١) الحاجة إلى البقاء
الحاجة إلى البقاء مشتركة بين جميع الكائنات الحية، وتشير عمومًا إلى رغبة الكائن الحي في البقاء على قيد الحياة وامتلاك موطئ آمن في هذا العالم. وجزء كبير من السلوكيات المرتبطة بها، ولا سيما لدى الحيوانات، يجري غريزيًا. لكنّ أحد الفروق الجوهرية لهذه الحاجة لدى الإنسان أنه، فضلًا عن السلوكيات الغريزية واللاإرادية، يستطيع إشباعها بطرق ذكية ومعقّدة جدًا. كما أنّ إشباع الحاجة إلى البقاء لدى الإنسان، خلافًا للحيوانات، يجري عادةً مع مراعاة المتطلبات العلائقية والاجتماعية.
٢) القوة
تشير الحاجة إلى القوة إلى الرغبة في التحكّم في الأشخاص أو الأمور، وتشمل كذلك الرغبة في السيطرة والإنجاز والشعور بالكفاءة. وعمومًا يمكن أن تكون الحاجة إلى القوة مصدرًا ودافعًا جيدًا لتقدّم الفرد في مختلف شؤون حياته الفردية والاجتماعية. لكنها من جهة أخرى، إن ظهرت في صورة رغبة شديدة في فرض النفوذ والسيطرة على الآخرين، فذلك يعني أنّ الجانب المرضي والهدّام لهذه الحاجة قد انكشف. وهذا البعد غير الفعّال من الحاجة إلى القوة، المتعارض مع كثير من جوانب الحياة الاجتماعية والعلاقات السليمة والبنّاءة، قد يظهر في صور شتّى من العداوات والصراعات بين الأشخاص.
٣) الحاجة إلى الحرية
تشير الحاجة إلى الحرية إلى نزعة الإنسان إلى اتخاذ القرار والاختيار والاستقلال والعمل من دون تدخّل الآخرين أو القيود الخارجية. بعبارة أخرى، هي في الحقيقة الحاجة إلى ألّا تتعرّض حياة الفرد الخاصة وإرادته واستقلاله لهجوم قوة الآخرين وسيطرتهم الخارجية.
٤) الحاجة إلى المتعة
تشير الحاجة إلى المتعة إلى الشعور بالحيوية والبهجة الذي ينشأ لدى الشخص في أثناء التجارب والأنشطة الممتعة والمحبّبة إليه. وربما يمكن عدّ تعلّم ما يحبّه المرء أهمّ صورة لتحقيق هذه الحاجة. وتبلغ أهمية مفهوم التعلّم في الحديث عن الحاجة إلى المتعة حدًّا جعل غلاسر يعدّ المتعة الاستجابة الوراثية للتعلّم.
٥) الحب والانتماء
لدى الإنسان الاجتماعي المعاصر، كثيرًا ما تكون الحاجة إلى الحب والانتماء أهمّ الحاجات. بل إنّ التحقّق المرغوب للحاجات الأربع الأخرى لا يكون ممكنًا، بمعنى ما، إلا في ظلّ تحقّق هذه الحاجة، لأنّ تحقيق جميع الحاجات الأساسية لا يتأتّى إلا في سياق اجتماعي وفي العلاقة مع الآخرين (غاردنر). بعبارة أخرى، يتحقّق الغذاء النفسي للفرد في ظلّ هذه الحاجة؛ ولذلك يرى غلاسر أنّ الشخص الذي عجز طويلًا عن أن يعيش علاقات مفعمة بالحب والمودّة والشعور بالانتماء، سيعاني بلا شكّ أعراضًا وعلامات نفسية. ومن وجهة نظر غلاسر، فإنّ المشكلات النفسية المزمنة، أيًّا كانت صورتها، سواء كانت اكتئابًا أو قلقًا أو وسواسًا أو غير ذلك، تدلّ في الواقع على مشكلات في العلاقات. فحين تتضرّر الحاجة إلى العلاقة والحب والانتماء لمدة طويلة، يصبح المرض النفسي أمرًا لا مفرّ منه. وقد ينشأ عدم إشباع هذه الحاجة النفسية من مصدرين رئيسين: أ) إمّا أنّ الفرد منخرط في علاقات هدّامة جدًا أضرّت بإشباعها، ب) وإمّا أنه يفتقر أصلًا إلى أيّ علاقة إيجابية داعمة. ومن وجهة نظر غلاسر، فإنّ الشرط اللازم لحياة زوجية ملؤها الرضا والسعادة هو الإشباع المناسب للحاجة إلى الحب والانتماء لدى طرفي العلاقة كليهما.
اترك تعليقاً