أهمية النظام الأسري، وأثر السنوات الأولى من الحياة المشتركة في تعرّف الزوجين أحدهما على الآخر، موضوعٌ تناولته مقابلة مؤسسة «تبيان» الثقافية مع الدكتور بهمني، المستشار والأستاذ في جامعة علوم الرعاية الاجتماعية والتأهيل، تحت عنوان «ثلاث سنوات من السعي إلى لغة مشتركة».
وفيما يلي تفاصيل هذه المقابلة.
تبيان: دكتور بهمني، من مشكلات الأزواج الشباب الخلافات التي تنشأ بينهم وبين أسرة الشريك، فكيف ينبغي إدارة هذه العلاقات حتى لا تحدث مشكلات؟
للإجابة لا بدّ أن أبدأ من نقطة أسبق قليلًا. علينا أولًا أن نرى: ما الزواج؟ وإلى ماذا ينتهي؟ وما وظيفة ما ينتج عنه، تلك الوظيفة التي إن لم تتحقّق صار غير فعّال؟
الزواج نقطة البداية لما نسمّيه لاحقًا الحياة الزوجية، والحياة الزوجية هي الأرضية لنشأة ما نسمّيه الأسرة. وللأسرة أنواع مختلفة، لكنها جميعًا تكوّنت بالزواج. نحن نولد في أسرة وننمو فيها، لكن قبل ذلك تكوّنت أسرة في يوم من الأيام.
الشكل الوحيد المقبول والفعّال لتكوين أسرة جديدة هو الزواج؛ الزواج الذي يُفضي إلى فضاء علاقة بين اثنين، جميلة جدًا، نسمّيها الحياة الزوجية.
الزواج نقطة البداية لما نسمّيه لاحقًا الحياة الزوجية، والحياة الزوجية هي الأرضية لنشأة ما نسمّيه الأسرة.
ليس في اللغات الأخرى كلمة بجمال الكلمة الفارسية «زناشويي» (الحياة الزوجية)، لأنها تشير إلى دورَي الزوجة والزوج معًا في آنٍ واحد. إنها كلمة جميلة جدًا. ففي العلاقة الزوجية الزوجة دور والزوج دور، وقبل ذلك كان الحديث عن أنثى وذكر. وأدوار الأنوثة بمعنى المرأة والزوجة، وأدوار الزوجية بمعنى الرجل والزوج، تعني مجموعة السلوكيات المتوقَّعة من هذا الإنسان في موقف معيّن. ودور الزوجة ودور الزوج معًا يصنعان الحياة الزوجية التي تبني الأسرة.
لكن ما وظيفة الأسرة حتى يُشدَّد عليها إلى هذا الحدّ؟ عمل الأسرة كعمل الرحم. فما عمل الرحم؟ يحوّل النطفة إلى جنين ويحفظه حتى يولد، بل إن طرأت مشكلة للجنين يساعد على إصلاحها. وحين نولد من الرحم لا نعود بحاجة إليه، لأنّ رحمًا ثانيًا يُبنى لحمايتنا. ومادة هذا الرحم الثاني سلوك شخصين عملهما رعايتنا وحمايتنا. في هذا الرحم الثاني يتغذّى المولود، ويُعتنى به، ويُساعَد إن طرأت مشكلة.
لكنّ الفرق بينه وبين رحم الأمّ أنّ الرجل (الأب) والمرأة (الأمّ)، ومعهما الطفل، هذه المرة جزء من بنية هذا الرحم؛ فسلوكهم يخلق فضاءً يُحمَون هم أيضًا فيه، ويتغذّون روحيًا وجسديًا، وينمون، ويجدون فيه السند إن طرأت لهم مشكلة.
الزواج رباط وعقد بين شخصين بلغا حدًّا أدنى من النضج؛ أي يجب أن يجتمع شخصان، لكنني أشدّد على كلمة «شخصين»، وهذا يعني أنّ صيرورة الاثنين واحدًا خطأ. إنه اضطراب نفسي أن تزول الفردية والحدود الشخصية.
الزواج بناءُ وحدة، لكنها وحدة من شخصين
من المؤسف أنّ بعضهم يسعى في الزواج إلى أن يصير واحدًا مع الآخر. تُبنى وحدة، لكنها وحدة من شخصين. فإن لم تفهم معنى «الشخص» أضعت معنى الزواج. في الزواج الجيد يتلقّى كلا الشخصين الرعاية وينموان، وسبب دوام علاقة الزوجين الجيدين أنهما يُشبعان حاجات بعضهما؛ وحين تُشبَع الحاجات يزداد الأفراد نضجًا، وكلما ازدادوا نضجًا ازدادوا تفرّدًا، وكلما ازدادوا تفرّدًا ازدادوا وحدة، وكلما ازدادوا وحدة ازدادت حاجتهم إلى رفيق وأنيس.
في الزواج الفعّال، ولأنّ كلًّا من الزوجة والزوج ينمو، يصبحان شخصين. فالزواج السليم ليس إلغاء أحدهما لمصلحة الآخر، ولا غياب أحدهما عن الأنظار بجوار الآخر، بل ظهور كليهما. وكلما ظهرت وازددت وضوحًا، ازداد التمايز وازدادت فرديتك. إذن في الأسرة الفعّالة تُقبَل الفرديات الراسخة. (هذا على المستوى الفردي).
أمّا على مستوى الأسرة نفسها: حين توجد أسرتان، أ وب، جاء شابّ من الأسرة أ وجاءت فتاة من الأسرة ب، فيكوّنان معًا وحدة جديدة، وهذه الأسرة الناشئة لا تزال جدرانها هشّة.
على الأسرة أن تأخذ المعلومات وتعطيها لتنظّم نفسها، وأن تضع المعلومات في متناول أفرادها لينموا. وهذا الجدار الذي يعطي المعلومات ويأخذها ليس عتادًا صلبًا، بل برمجيات.
برأيك، ممّ تتكوّن جدران كل أسرة؟ ما الذي يفصل الأسرة عن الآخرين؟ أعرف أسرًا باب بيتها مغلق، ورقم منزلها واضح، ولديها مفاتيح، لكنّ الجميع يعلمون بكل ما يجري فيها، لأنها تعطي معلوماتها لكل أحد؛ هذه الأسرة فيها تسرّب، وكأنها تعيش في بيت من زجاج. الجميع يرون ما في داخل البيت ويرون لأنفسهم حقّ إبداء الرأي فيه. هذه الأسرة بلا جدار، والجميع يتسلّلون إلى داخلها.
وبعض الأسر كالثقوب السوداء في المجرّات؛ لا تخرج منها معلومة، وإن دخلتها معلومة لا تعود. هذه أسر معزولة، وكلا النوعين سيّئ.
على الأسرة أن تأخذ المعلومات وتعطيها لتنظّم نفسها، وأن تضع المعلومات في متناول أفرادها لينموا. وهذا الجدار الذي يعطي المعلومات ويأخذها ليس عتادًا صلبًا، بل برمجيات. ومن الطبيعي أن يتبادل أفراد الأسرة المعلومات ليتكيّفوا مع الأسر المجاورة. وسرّ انفصال الأسرة تدريجيًا من خلال تنظيم المعلومات هو مرحلة الولادة. فحين يولد الإنسان تتألّم الأمّ، ويواجه المولود نفسه صعوبات قد تؤذيه إن لم تُراعَ.
ينبغي الحرص الشديد على ألّا يتأخّر الجنين في الولادة؛ فإن طال الأمر كان خطرًا وقد يموت الجنين، ولذلك إن لم يولد ولادة طبيعية تُجرى له عملية قيصرية. وقد يولد الجنين الخديج قبل موعده بشهرين ويُحفظ بالأجهزة، أمّا التأخّر فلا يبلغ شهرًا؛ فبضعة أيام زائدة قد تسبّب موت الجنين بل والأمّ.
والأبناء كذلك يجب أن يولدوا من رحم الوالدين، وأن يكوّنوا أسرتهم الخاصة. وهذا الرحيل، كالولادة، فيه ألم نفسي للأب والأمّ، لأنه يُعدّ فقدانًا ويجلب القلق ويحتاج إلى وقت للاعتياد. وفي هذه المدة يبدآن بأمور نسمّيها التدخّل. فالوالدان عادةً يشتاقان، ويبدآن من قلقهما بالتعليم، فيعطيان ابنهما تعليمات سلوكية لحياته الجديدة تسبّب له المشكلات.
وهذا يوقع الزوج والزوجة في صراعات؛ فهما منشغلان بتحليل الظروف الجديدة والتكيّف مع بعضهما، لكنّ أحدًا من الخارج يعطيهما تعليمات مختلفة في السلوك، فيتصدّع توافقهما. وإن لم يعرف الزوجان الشابّان كيف ينظّمان المعلومات الواردة إليهما والخارجة منهما، فإمّا أن تُتاح للآخرين فرصة كبيرة للتدخّل، وإمّا أن يشعروا بالإقصاء فيردّوا الفعل.
نسمّي السنوات الثلاث الأولى من الحياة الزوجية لدى الأزواج الناجحين: ثلاث سنوات من السعي إلى لغة مشتركة.
وهذه المرحلة نفسها، التي يتعلّم فيها الزوج والزوجة كيف يتواصلان بحيث لا يستاء الوالدان ولا يفقدان استقلالهما، تحتاج إلى وقت؛ فقد تستغرق أحيانًا سنتين أو ثلاثًا، ويُدفَع ثمنها باهظًا. وعلينا أن نعلّم هؤلاء كيف يجعلون لوحدتهم الثنائية جدارًا، ليس من حديد.
كيف ينقلون الكلام إلى الطرفين وأيّ كلام، وكيف يفسّرون المعلومات الواردة، وكيف يتشاركون. هذه مهارة يجب تعليمها، ليتعلّم الاثنان أن يتصرّفا، لمصلحة هوية علاقتهما الثنائية، بطريقة لا تُقصي الأسرتين ولا تُذيبهما فيهما، وهذا يستغرق سنتين أو ثلاثًا حتى مع التدريب، وإلّا فلن يكتسباها أبدًا.
نسمّي السنوات الثلاث الأولى من الحياة الزوجية لدى الأزواج الناجحين: ثلاث سنوات من السعي إلى لغة مشتركة. أمّا الأزواج غير الناجحين فلا يصلون أبدًا إلى لغة مشتركة، بل يتحمّل بعضهم بعضًا فحسب.
الفتاة والشاب يميلان عند الاختيار إلى الزواج على أساس أوجه الشبه، ومن المؤسف أنه لا يُعلَّم غير ذلك، ثم بعد الزواج يرى الاثنان الفروق فيظنّان أنهما أخطآ ويطلبان الانفصال، في حين أنّ الجميع يتزوّجون أولًا على أساس أوجه الشبه، ثم عليهم أن يديروا الفروق.
عملية ولادة أسرة جديدة من أسرتين قديمتين مؤلمة وتستغرق وقتًا، لكنّ لها مزايا، وإن سارت على نحو صحيح فإنها تبعث البهجة والحماس أيضًا. ونتيجتها أسرة بهوية جديدة، عليها أن تبني ثقافتها الخاصة أيضًا؛ ثقافتها الخاصة القائمة على القيم المشتركة، لكن لا بدّ من التفكير كذلك في القيم المختلفة. ولا بدّ من بذل الوقت؛ فبعض الأمور تتغيّر لدى الزوجة، وبعضها لدى الزوج، وقد يبقى بعضها مختلفًا. فإن لم تكن من القيم الجوهرية فلا بأس، بل هو أمر حسن.
ينبغي ألّا يكون الاختلاف مشكلة؛ ففي أغلب الأحيان، ما دام الأمر يخصّ علاقة الاثنين وحدهما، يصلان إلى نقطة مشتركة أسرع، بشرط أن يكون نهجهما تبادل المعلومات. أمّا إن أرادت أسرتا الاثنين أن تتدخّلا في موضوع معيّن، فإنّ الوصول إلى القاسم المشترك يصبح أصعب قليلًا.
علينا أن نعلّم الزوجين الجديدين أن يحلّا مسائلهما اليومية داخل أسرتهما فقط. والأيام الأولى صعبة، لأنهما اعتادا أن يتحدّثا مع أسرتيهما في كل الموضوعات. فإن كان الأمر يتعلّق بنوع الطعام ونحوه فلا مشكلة، أمّا إن تعلّق بأسلوب الحياة فإنه يسبّب المشكلات.
على الزوجين الشابّين أن يتعلّما، إن عدّ الوالدان سلوك ابنهما وقاحة، كيف يعتذران ويقولان لهما: ما زلتم تاج رؤوسنا، ونحبّكم، لكننا لا نستطيع تنفيذ بعض رغباتكم.
على الاثنين أن يدركا أنّ بإمكانهما، عند الحاجة، الاستعانة بأشخاص من خارج الأسرة، أو بأفراد من الأسرة بصفة مستشارين. وعلى كليهما أن يساعد الآخر على أن يولد من أسرته السابقة. علينا أن نعلّم الفتيات والشباب: تعالوا، وُلدوا، وابنوا وحدتكم المستقلة. نعلّمهم أنّ الأمر صعب ومشكلاته كثيرة، لكنّ كل ذلك يجب أن يكون بحسن نية. أن يتعلّموا أنّ والديهم قد يستاؤون أحيانًا، لا بسبب وقاحتهم، بل لأنّ الأمر جاء خلاف توقّعاتهم. أن يتعلّموا، إن عدّ الوالدان سلوك ابنهما وقاحة، كيف يعتذرون ويقولون لهما: ما زلتم تاج رؤوسنا، ونحبّكم، لكننا لا نستطيع تنفيذ بعض رغباتكم.
تبيان: من تقصد بـ«شخص آخر»؟
إنسان عاقل، قد يكون صديقًا أو زميلًا أو أحد المحيطين ممّن يعيش حياة ناجحة، يسألونه كيف حلّ مشكلة كهذه. ومن المهم جدًا طبعًا أن يكون ذلك الشخص عاقلًا، وأن نكون مطّلعين على حياته وأنه يحسن العيش.
وأحيانًا يتحدّث الاثنان مع بعضهما؛ فتقول الزوجة مثلًا: لأمّك سلوك كذا لا يعجبني… فلا ينبغي للزوج أن يصرخ، بل عليهما أن يتحدّثا، ثم يقول لزوجته: سأساعدك حتى تُحلّ المشكلة، لكن لا تعاملي أمّي بطريقة تُحزنها.
وحينها قد ينقل الزوج رغبة زوجته إلى أمّه بلغته هو، لأنه يفهم لغة أمّه أفضل، فتلتزم الأمّ بمراعاتها من دون أن تعدّها إهانة. وأحيانًا يحتاج ذلك إلى بضعة أشهر.
تبيان: ما الخطوة الأولى بعد الزواج لامتلاك هوية أسرية مستقلة؟
ينبغي أن يكون التحدّي الأول بعد الزواج تكيّف الفرد مع أسرته هو، ولازمُ ذلك تنسيق كبير بين الزوجين.
ينبغي أن نعلّم شبابنا أن يؤدّوا السيناريوهات، لا بنية الخداع، بل بنية تعميق العلاقة.
يقول الحقّ تعالى ما معناه: اعبدوني وأطيعوا، ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. ولم يقل: اعدلوا وأطيعوا؛ فالعدل قد يقتضي أحيانًا أن أردّ على إساءة الوالدين بشدّة، لكنّ القرآن لا يرضى ذلك. في كل الأحوال عليك أن تُحسن، لكنك بالسلوك الصحيح تستطيع أن تديرهما، لأنه لا أب ولا أمّ يريدان السوء لأبنائهما. وإن عملنا بهذا القول، فستُحلّ المشكلات في هذا المجال.
مقابلة قسم «الأسرة الإيرانية» في مؤسسة تبيان الثقافية مع الدكتور بهمن بهمني
صيف ١٣٩٠ هـ.ش (٢٠١١)